علي بن أحمد المهائمي
513
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
فإن اللّه لا يظلم مثقال ذرة ، لكن لا نعيم لأهل النار المخلدين فيها ؟ فأجاب عنه بقوله : ( وأما أهل النار ، فما لهم ) جزاء آخر كل حرقة يتم بها نضج الجلود ( إلى النعيم ) برفع الآلام ما لم يحصل بدلها المحدد للعذاب ، إذ لولاه لم يكن لقوله تعالى : لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] ، بعد قوله : بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] معنى ، لكن ذلك أمر يسير لا يعتد به ، ومع ذلك لا يخلون عن عذاب إذ هم حينئذ في النار يتوقعون رجوع الآلام عند تبدل الجلود عن قريب ، ( ولكن ) ليس ذلك من النار ( إذ لا بدّ لصورة النار ) ، وإن قلنا : إنها بصورتها الجوهرية محرقة مؤلمة ، ( فلابدّ ) لذلك من قابل لكن لا قابل ( بعد انتهاء مدة العقاب ) أي : مدة كل عقاب بتمام نضج الجلود إلى وقت حصول البدل الموجب للعقاب الجديد ، ( أن تكون بردا وسلاما على من فيها ) من العصاة والملائكة والحيّات والعقارب ، كما أنها برد وسلام أبدا على غير العصاة من أهلها . ( وهذا نعيمهم ) الواقع جزاء على ذكر بعض أجزائهم للحق مع غفلتهم الموجبة لشقائهم ، لكنه إنما يتصور بعد استيفاء الحقوق ، إذ قبل ذلك لا بدّ من عذاب آخر عليها عقلي أو خيالي ، ( فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق ) التي لا توجب الخلود إذا لموجب له لا يمكن استيفاؤه أصلا ( نعيم خليل اللّه ) ؛ لأنهم بذكر ذلك الجزاء خلاؤه ، وإن كانوا بالغفلة أعداءه ، فيتلذذون برفع الآلام كما تلذذ به ( حين ألقي في النار ) ، لكنهم يتعذبون أيضا حينئذ برؤيتها ، لعلهم بعد الآلام عليهم عند تبدل جلودهم كما تعذب خليل اللّه بذلك ، ( فإنه عليه السّلام تعذب برؤيتها ) نارا محرقة . . . قبل أن بلغ فيها ، ( وبما تعود في علمه ) من أنه لو جعل يده فيها لاحترقت وتألمت ، ( وبما يقرر ) في ذهنه ( من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان ) بتفريق أجزائه الشاعرة ، وإنما تعذب بذلك قبل الوصول إليها ؛ لأنه ( ما علم مراد اللّه ) بإلقائه ( فيها ) ، وهو إظهار معجزة له يجعل بها قوله حجة قطعية ، وما علم مراده ( منها ) من إيصال الراحة له من كل شيء حتى مما شأنه الإيلام ، حتى أنه تعذب بها أولا واستراح ثانيا عكس ما يقع لغيره . ( وبعد وجود هذه الآلام ) قبل إلقاء ( وجد ) بعد إلقاء ناره ( بردا وسلاما ) ، فلم تبق نارا من هذا الوجه ( مع شهود الصورة اللونية ) الدالة على النارية ، مع زوال الصورة الجوهرية التي بها الإحراق والإيلام ( في حقه ، وهي نار ) بالصورة الجوهرية واللونية جميعا ( في عيون الناس ) ، فهي نار بلا شكّ في حقهم لصدق مدركات العيون بالضرورة ، ( فالشيء الواحد ) ولو بالشخص ( يتنوع ) بحقائق مختلفة ( في عيون الناظرين ) ، فنار إبراهيم من حيث هي برد وسلام عليه ليست بنار في حقه ، وهي نار في حقه باعتبار اللونية ، وهي باردة باعتبار الصورتين في حق غيره ، فاختلفت الصورة النوعية فيها في عيونهم ، وكذا نار